حِوارات…
كتبهاسهى ، في 17 تشرين الثاني 2008 الساعة: 08:29 ص
الحوار العشرون
* مُفارقات *
الكهل: عندما إعتنقت القبائل البربرية الأنجلوسكسون والفرنجة والجرمان وفيما بعد قبائل الفايكينغ وأحفادهم النورمنديون المسيحيّة كانوا بمعظمهم أناسٌ عدوانيون وجهلة، فكان إيمانهم خليطاً مشوشاً من الأفكار المسيحيّة والوثنيّة. وكانت المسيحيّة بالنسبة إليهم بمثابة كسب هويّة ليس إلّا، ولكي يحافظوا على هذه الهويّة الجديدة، صبغوا المسيحيّة بصبغتهم العدوانية، وكان عليهم أن يخلقوا أعداءً لهم، وكان أول الأعداء الإمبراطوريّة البيزنطيّة التي كانت عاصمتها (القسطنطينيّة). وفي عام 800 م توّج البابا (ليو الثالث) (شارلمان) إمبراطوراً رومانياً للغرب، وكان ذلك مؤلماً للإمبراطور البيزنطي أن يتربع أحد المنحدرين من أولئك البرابرة الذين دمروا الإمبراطوريّة في الغرب على العرش الإمبراطوري. وكان من اللافت في ذلك الوقت أن (شارلمان) والغرب لا يكنّون أي عداء إتجاه المسلمين، وقد إستقبلوا بعثة الخليفة (هارون الرشيد) بكل حفاوة، وادعوا أن هؤلاء الفُرس (بعثة هارون) -على حد وصفهم المُلتبس- قد نصبّوا (شارلمان) قيّماً على الأماكن المسيحيّة المقدسة في القدس، وإلى هنا لم يكن عدو الغرب هو الإسلام بل بيزنطة.
المرأة: إنقلبت الحملة الصليبيّة الرابعة إلى حرب مقدسة على المسيحيين الروم الأرثذوكس، بعد أن كانت موجهة ضد الأتراك السلاجقه الذين إحتلوا مناطق من الامبراطورية البيزنطية. هاجم الصليبيون القسطنطينية التي طالما كانت العدو الرسمي الاول للغرب منذ شارلمان، وعَمِلوا سلباً وقتلاً فيها، وهي التي ظلّت لقرون محل حسد مسيحييّ أوروبا، ومَثار شعور حارق بالدونية لديهم. كان سقوط القسطنطينية واحدة من أوخم الجرائم في التاريخ، يقول المؤرخ (جيوفري فيلهارودين): عاث الصليبيون إغتصاباً وقتلاً ونهباً في أرجاء المدينة بوحشيّة تقشعر لها الأبدان، فتناثرت جثث النساء والأطفال في الطرقات، وأُغتصبت الراهبات في أديرتهن، وكان الصليبيون القادمون من شمال أوروبا (الفايكينج) هم الأكثر وحشيّة، ومُنذ بدء الخليقة لم يحدث قط أن خرج هذا القدر من الغنائم والأسلاب من مدينة واحدة.
الرجل: كان من أشد أعداء الغرب اليهود. وقد عمِلوا لأكثر من ألف عام على إقامة مذابح منظمة لهم. وحتى عندما بدا أن المسيحيّة آخذة بفقدان السيطرة على أوروبا كانت اللاساميّة الأوروبيّة حتى القرن العشرين نُسخة علمانيّة من الضغينة القديمة لليهود. وعِوضاً عن مطاردة اليهود حتى الموت بسبب دينهم، صار اليهود يُضطهدون بسبب كونهم عِرقاً أجنبياً، وقد أحالت الحملات الصليبية الحياة جحيماً لا يُطاق بالنسبة لليهود في أوروبا. أمّا في العالم الإسلامي فيخبرنا الرحالة اليهودي (بنيامين التُطيلي) أنه زار بغداد في عام 1170م ووجد أن ثمة أربعين ألف يهودي يعيشون فيها بأمان تام، ولديهم تسع وعشرون كنيساً، وعشرة معاهد دينية، وكان هناك الكثير من الأطباء والموظفين الرسميين اليهود، كما كانوا تُجاراً وهكذا كانت مدينة القيروان أيضاً.
الكهل: بعد أن نجح الصليبيون في إحتلال بيت المقْدِس عام 1099، عَمِلوا لمدة يومين -بدمٍ بارد- في ذبح معظم سُكانها العرب، كانوا مسلمين أم مسيحيين أم يهود. ويقول شاهد العَيان الإفرنجي (ريمون داغويليه): (وشاهدنا أشياء عجيبة، إذ قُطعت رؤوس عدد كبير مِن الناس، رجالاً ونساءً وأطفالاً، وقُتل غيرهم رمياً بالسهام، أو أُرغِموا على أن يُلقوا بأنفسهم مِن فوق أبراج، وظلّ بعضهم يُعذبون عِدة أيام، ثم أُحرقوا بالنار، وكان الإنسان أينما صار فوق جواده يسير بين الجُثث، بيد أن هذا كلهُ لا يُعدُ شيئاً بالمقارنة مع ما حصل في هيكل سليمان، حيثُ تُقامُ عادةً خدمة القٌدّاس، فماذا حصل هناك؟؟ أخشى إن أنا أخبرتكم بالحقيقة ألّا تصدقوها، لذلك حسبيّ أن أقول لكم على الأقل إنه في هيكل سليمان ورواقه غاص الرجالُ حتى الرُكب وأعنّة الخيل في الدماء).
السيّدة: بدأ الفلسطينيون بعد سماعهم بالمذابح الوحشيّة التي حصلت لإخوانهم بالنزوح مِن فلسطين بإتجاه البلاد العربيّة المجاورة، وفي حين غادر بعضهم بدافع الخوف الشديد، رأى آخرون أن النزوح فَرْض على المسلم في حال إحتل الكفار الديار، وخاصةً أنهم كانوا يسمعون الإهانات تنهال على النبي صلّى الله عليهِ وسلّم مِن أفواه الفِرنجة ولا يُحركون ساكنا. ومع دخول أوائل النازحين إلى دمشق، إستقبلهم بحفاوة بالغة القاضي (أبو سعد الهروي) وأخبرهم بألّا يخجلوا مِن هجر ديارهم، أليس النبي الأكرم هاجر عندما أُضطّر إلى الهجرة مِن مكة واللجوء إلى المدينة؟! وكانت هجرته تلك منطلقاً للجهاد مِن أجل تحرير مسقط رأسهِ من الوثنيّة. وأضاف القاضي قائلاً: (على المهاجرين أن يعتبروا أنفسهم مجاهدين جنوداً في الحرب العادلة التي يجب عليهم خوضها لتحرير بلادهم ورمي الفرنجة في البحر).
الكهل: يقول المؤرخ الكبير (عز الدّين بن الأثير): (قاد الهروي جمهرة من النازحين الفلسطينين إلى بغداد عاصمة الخِلافة الإسلاميّة، حيث نظموا تظاهُرة غاضبة، وكان الوقت شهر رمضان، فاقتحموا المسجد الكبير، ثم شرع الهروي يأكل بنهم وتفاخر، وكان من الطبيعي أن يحيط حشد غاضب من الذين راعهم أن يروا مثل هذا الإنتهاك الصارخ لحرمة الصوم، فنهض (الهروي) على قدميه وسألهم بهدوء: (كيف يسعهم أن يظهروا كل هذا الهيجان حيال إفطار إمرءٍ في شهر الصيام ولا يبدون أي إكتراث بخسارة القدس الفاجعة ومحنة إخوانهم المسلمين النازحين؟!؟) فبكى النازحون أنفسهم وأبكوا الآخرين حين وصفوا ما حلّ بالمسلمين من مصائب ونوائب في تلك المدينة المقدسة. وتلا الجميع قول الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
الشاب: أثناء قيام العصابات الصهيونيه (شتيرن) و(الأرغون) و(ليحي) بالمذابح ضد الفلسطينيين عام 1948، بدأت مكبّرات الصوت وإذاعة القدس التي تُشرف عليها بريطانيا الخبيثة -التي درست قِيَم الشعوب العربية- بإذاعة تحذيرات إلى المدن والقرى الفلسطينيّة بأن العصابات الصهيونية تقتل الرجال وتغتصب النساء، مما كثّف نزوح الفلسطينين عن ديارهم مُضحين بالأرض حِفاظاً على العِرض، كما أن بعض المسؤولين العرب ناشدوا الفلسطينين مغادرة الديار لبضعة أيام فقط، وطلبوا منهم أخذ مفاتيح بيوتهم معهم. ومما يُذكر أن (حاييم بيغن) كان من زعماء تلك العصابات الصهيونيّة الإرهابية وأصبح فيما بعد رئيس الوزراء ووقّع مع السادات وكارتر(معاهدة كامب ديفيد). و(إسحاق شامير) كان من العصابات ذاتها وأصبح رئيسا للوزراء وحضر مؤتمر مدريد والذي وقُعت بعده (معاهدة أوسلو) مع الفلسطينيين و(معاهدة وادي عربه) مع الأردن.
الرجل: بعد نكبة 1948 كان الشعور بالخزي والعار طاغياً في كل ارجاء العالم العربي، وكان العرب يعلمون جيداً أن سياساتهم ومثالبهم قد ساهمت في الإنتصار الإسرائيلي. يتذكر الشاعر السوداني (عبدالله الطيب) -الذي كان يقيم في لندن عام 1948- أن الحياة فقدت كل معانيها بفعل الهزيمة. ويتفجّع الشاعر العراقي (عدنان الراوي) في قصيدة (غفرانك يا رب) التي يقول فيها أنه لن يؤمن بهذا العالم بعد اليوم، وإنه سينسى أنه يعيش في وطن كان ذات يوم عربياً، فقد فقدت الأمة العربيّة إسمها وطبيعتها. أمّا قصيدة الشاعر المصري (بدر توفيق) بعنوان (رجال في الطريق) فتزوّدنا نوعاً ما بمدى قساوة قلوب بعض العرب تجاه اللاجئين الفلسطينيين، فهو يصف لنا لاجئا بأنه رجل عاجز محني الظهر تحت وطأة العار، هاربٌ من نفسهِ ومن الآخرين، ثم ينتبه المصري فجأة إلى أنهُ إنما ينظر إلى نفسهِ.
سألتهُ عن هويتهِ
أجابني: زائفةٌ كهويتك
أليست صورتي صورتك؟
وأصرّ على أن أرى وجهي في المرآة
وهناك رأيتُ صورتي على بطاقة هويته
أمّا الشاعر السوري (عُمر أبو ريشة) الذي لا يُخفي إحساسهُ بأن الأمّة العربية فقدت كل إحترام الأسرة الدوليّة.
أُمتي هل لَكِ بين الأمم
منبرٌ للسيف أو للقلم
أتلقاكِ وطرفي مُطرقٌ
خجلاً من أَمْسِكِ المُنصرمِ
أُمتي! كم غصة دامية
خنقت نجوى عُلاكِ في فمي
ألإسرائيل تعلوا رايةٌ
في حِمى المهدِ وظل الحرمِ
الشاب: عُقِد مؤخراً مؤتمر تحت عنوان (حوارالأديان) أو (ثقافة السلام)، كان وكأنه يُبَشّر بدين بشري جديد، يدعو إلى عِبادة المال وتكديس الثروات لدى قادة الغرب الذين يعملون لأنفسهم ولمؤسساتهم العاتية ولشعوبهم أيضاً، وملوك ورؤساء يعملون لأنفسهم وطُغَمهم الفاسدة ولأسيادهم أيضاً. ويدعو إلى إبقاء السيطرة والهيمنة الإمبرياليّة الغربيّة والإسرائيليّة، وزيادة الإستسلام والتبعيّة والخنوع مِن الجانب العربي، ويدعو أيضاً إلى تكريس الإحتلال والحصار والإمتهان والقتل، فقد إستشهد في ذلك اليوم عَشْرة من العرب في فلسطين والعراق!
السيدة: سُئل الرئيس (إميل لحود): ما الذي يجمعك و(سماحة السيّد حسن نصر الله)؟ أجاب: المبادىء. وسُئل أيضاً: وكم مرة تحاورت معه؟ أجاب: مرة واحدة، مُعزياً بإستشهاده ولدهِ (هادي). قال الإذاعي المخضرم الكبير (حمدي قنديل) في برنامجه المفيد (قلم رصاص): أيجوز أن يبقى ضمير الأُمّة العربيّة (سماحة السيّد حسن نصر الله) في ملجأ لأنه إختار حريّته الحقيقيّة، بينما تعج القصور الرئاسية والملكيّة العربيّة بالمجرمين من كل صنف ولون!!؟ واستطرد قائلاً: يا أمة مهانة سهتانة عدمانة ذليلة خانعة مستضعفة….. لقد أصبحت أمّة مهند وليست أمة (محمد)…..
الشاب: ولكن سيبقى في أمتنا رجال كالجبال الشامحة، عاتية على العاتي وعالية على المستعلي، والمنتصرة بإذن الله. قال الله تعالى: (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). وقال أيضاً: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) صدق الله العظيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بقلم "أُم سهى" | السمات:بقلم "أُم سهى"
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 17th, 2008 at 17 نوفمبر 2008 10:59 ص
المهم هو الدراسة
بالتوفيق يا سهى
يكفى أن نطمئن عليك
دمت بخير
نوفمبر 23rd, 2008 at 23 نوفمبر 2008 8:38 ص
تحياتي ..
سعدت بمروري في حقول مدونتك .. فيها ما لذ من معنى وطاب من حرف
اتمنى ان نتواصل باستمرار ..
مودتي