الحوار الثاني والعشرون
* عَوْدٌ على بدْء *
الكهل: كم كنتُ دائماً أتمنى لو أني أملكُ موهبة شعريّة أو نثريّة حتى أستطيع أن أعبر ما يجيش في صدري عند تأمّل آيات الله في الكون وفي الإنسان. لكن الآية الأعظم بين الآيات جميعاً هي القرآن الكريم، المتميّز بلغة مختصرة ومكثّفة ولمّاحة جداً فالسوَر الأولى تُعطي إنطباعا بلغة بشريّة مطحونة ومتشظيّة ومتصدّعة تحت التأثير الإلهي،( لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). وكذلك تبدو بعض الآيات وكأنها تعكس تفكك حياة الفرد نفسه، ولكي يكتشف الإنسان المعنى الأعمق الذي يرمز إليه القرآن فلا بُد لهُ أن يدمج أجزاء حياته، قال تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
عندما إقتضت الخطة الإلهيّة بأن يجعل الله له خليفة على الأرض جعل الوجود الإنساني يتسم بعدة مراحل بدء وسط عودة. ففي البدء أوجد الله الإنسان في الزمان والمكان غير المحددين، وهناك عرف الإنسان الله بإنه هو الرب الخالق المنعم الرازق وله كل الأسماء الحُسنى وأن بني آدم هم عِباد الله المكرمين (الميثاق الأول)، قال الإمام (عليّ) كرّم اللهُ وجهه: (إعرف نفسك، تعرفُ ربّك) وبعد ذلك رَكِبَ الغرورُ الإنسانَ، فحمل الأمانة (حريّة الإختيار) وأكل مِن الشجرة (معرفة الخير والشر)، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ). والجزء الثاني من وجود الإنسان كان على الأرض، حيثُ أمرهُ اللهُ بالعدل والإخلاص في كل أمورهِ الدينية والدنيويّة، أي الإيمان والعمل معاً العبادة)، (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وجعلهُ قادراً على تحمُّل المسؤوليّة الفرديّة في كل أعمالهِ، بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ. ثم كان الجزء الأخير وهي العودة إلى الله، حيثُ يُنتزع مِن الإنسان (الخِداع الذاتي) ليحكُمَ على نفسهِ بنفسه، قال اللهُ تعالى: (اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا). صدق اللهُ ال
























